النضال المستمر
التحدي الدائم
العولمة و آثارها الإقتصادية على الجهاز

العولمة و آثارها الإقتصادية على الجهاز

المصرفي

                                                                                             أ.مرابط آسيا

                                                                                            جامعة البليدة

المقدمة:

         لقد شهد عقد التسعينيات العديد من التغيرات العالمية السريعة و العميقة في آثارها و توجهاتها المستقبلية فالإقتصاد العالمي تحول إلى قرية صغيرة متنافسة الأطراف بفعل الثورة التكنولوجية و المعلوماتية، و لقد نتج عن هذا مفهوم جديد ألا و هو مفهوم العولمة الذي لا يمكن إستيعابه إلا في تلك التغيرات، و بناء على ذلك فلقد إنتشرت العولمة على كافة المستويات الإنتاجية و التمويلية و المالية و الإدارية و من ناحية أخرى تعددت انواعها و مجالات تطبيقها، فهناك العولمة الإقتصادية التي تبقى منبع كل الأنواع و التي تنقسم بدورها إلى العولمة الإنتاجية و العولمة المالية، حيث سيكون تركيزها في هذه المداخلة منصب أساسا على العولمة الإقتصادية و بالضبط على العولمة المالية و ذلك لكون لها علاقة وطيدة بالجهاز المصرفي و بالتالي يمكن الإشارة في تركيز على عدد من الآثار الإقتصادية للعولمة على الجهاز المصرفي و ذالك من خلال:

01-        إعادة هيكلة صناعة الخدمات المصرفية:

لقد حدث تغير كبير في أعمال البنوك و توسعت مساحة و دائرة و نطاق أعمالها حيث أخذت البنوك تتجه إلى أداء خدمات مصرفية و مالية لم تكن تقوم بها من قبل و إنعكس ذلك بوضوح على هيكل ميزانيات البنوك، و لقد إتضح من أحدث التقارير على اكبر البنوك ان المصدر الرئيسي لأرباحها لم يعد يتحقق من عمليات الإئتمان المصرفي، أي الإقراض، بل من الأصول الأخرى، و من ناحية أخرى إنخفض النصيب النسبي للودائع في إجمالي الخصوم بالبنوك، و أن الخصوم القابلة للمتاجرة زاد نصيبها النسبي إلى إجمالي خصوم البنوك، نتيجة تزايد نشاطها في الأنشطة الأخرى غير الإقراضية.

و من الملفت لنظر ان أثر العولمة على الجهاز المصرفي في مجال هيكلة صناعة الخدمات المصرفية قد إمتد بشكل غير مباشر، و تمثل في دخول المؤسسات المالية غير المصرفية مثل شركات التأمين كمنافس قوي للبنوك التجارية في مجال الخدمات التمويلية.

02-      التحول إلى البنوك الشاملة:

في ظل العولمة و إعادة هيكلة صناعة الخدمات المصرفية زاد إتجاه البنوك و خاصة البنوك التجارية إلى التحول إلى البنوك الشاملة التي تتمثل في الكيانات المصرفية التي تسعى دائما وراء تنويع مصادر التمويل و التوظيف و تعبئة أكبر قدر ممكن من المدخرات في كافة القطاعات و توظيف مواردها في أكثر من نشاط و في عدة مجالات، و تمنح الإئتمان المصرفي لجميع القطاعات، كما تعمل على تقديم كافة الخدمات المتنوعة و المتجددة التي قد لا تستند إلى رصيد مصرفي، بحيث نجدها تجمع ما بين وظائف البنوك التجارية التقليدية و وظائف البنوك المتخصصة و بنوك الإستثمار.

و نلاحظ أن إستراتجية البنوك الشاملة مبنية على إستراتجية التنويع بهدف إستقرار حركة الودائع و إنخفاض مخاطر الإستثمار و الموازنة بين السيولة و الربحية و درجة المخاطر المصرفية.

03- تنويع النشاط المصرفي:

و هو آثر مشتق و تابع للإتجاه السابق و بنفس الوقت مرتبط بتعمق العولمة المصرفية، و قد شمل تنويع النشاط المصرفي على مستوى مصادر التمويل و إصدار شهادات إيداع قابلة للتداول، و الإتجاه إلى الإقتراض طويل الآجل من خارج الجهاز المصرفي، و على مستوى الإستخدمات و التوظيفات المصرفية، ثم الاتجاه إلى تنويع القروض الممنوحة، و إنشاء الشركات القابضة المصرفية، و تحويل المديونات المصرفية إلى مساهمات في شكل أوراق مالية قابلة للتداول، ثم الإتجاه إلى التأجير التمويلي، و تعميق نشاط إصدار الأوراق المالية.

كما وصل إتجاه تنويع النشاط المصرفي أقصى مداه في ضل العولمة عندما أضافت البنوك إلى نشاطها المشتقات المالية حيث أخذت تتعامل مع العقود المستقبلية، و لقد تحقق المشتقات المالية عدة مزايا أهمها:

-                                     التحكم و السيطرة على المخاطرة.

-                                     تحسين معدلات الإقتراض و الإقراض.

-                                     إستكشاف الأسعار في السوق.

-                                     تسهل العمولات للوصول إلى الأسواق المالية المختلفة.

-                                     تحسين السيولة.

كما ان تزايد تأثر البنوك بإتجاه تنويع الأنشطة المصرفية تغذيه موجة التحرر من القيود التي تتسم بها العولمة المالية بحيث فتحت مجالات للأنشطة المصرفية لم يكن مسموحا بها من قبل.

04-                  ضرورة الإلتزام بمعيار كفاية رأس المال:

أصبح العمل المصرفي يتعرض للعديد من المخاطر المصرفية سواء كانت عوامل خارجية أو عوامل داخلية و ذلك مع تزايد العولمة، حيث أصبح ملزما على البنوك الإحتياط من المخاطر و ذلك بتدعيم رأس المال و لقد إتخذ معيار كفاية رأس المال أهمية متزايدة و ذلك منذ قرار لجنة بازل  سنة 1988 حيث تأثرت البنوك العاملة بهذا المعيار منذ تلك السنة  و بحيث أصبحت ملزمة بأن تصل نسبة رأس مالها مجموع أصولها بعد ترجيحها بأوزان المخاطرة الإئتمانية إلى 08 %   كحد أدنى مع نهاية 1992 .

 

 

 

05-                  اشتداد المنافسة في السوق المصرفية:

             إن تزايد العولمة المالية و إقرار إتفاقية تحرير الخدمات المصرفية من القيود التي جاءت بها إتفاقية الجات سنة 1994 و تولي منظمة التجارة العالمية تطبيقها من بداية سنة 1995، جعلت المنافسة تشتد في السوق المصرفي، حيث نجدها إتخذت ثلاثة إتجاهات:

-       الإتجاه الأول :  المنافسة بين البنوك التجارية فيما بينها .

-       الإتجاه الثاني : المنافسة بين البنوك و المؤسسات المالية الآخرى.

-       الإتجاه الثالث: المنافسة بين البنوك و المؤسسات غير المالية على تقديم الخدمات المصرفية.

            فإن كل هذه الإتجاهات أدت إلى إشتداد المنافسة في السوق المصرفية و خاصة في ظل إزالة الحواجز الجغرافية و تلبية إحتياجات العملاء و لقد أدت هذه المنافسة إلى دخول المؤسسات المالية بخلاف البنوك السوق المصرفية بقوى و خاصة في أسواق الخدمات المالية.

            و من المتوقع ان تزيد هذه المنافسة و ذلك مع دخول شركات التأمين و شركات الأوراق المالية في تقديم الخدمات المالية التي ترتبط بالنشاط المصرفي.  ولا يخفى ان للمنافسة تأثير على الجهاز المصرفي، حيث يمكن ان نسجل ما يلي:

- تزايد من كفاءات الجهاز المصرفي.

- تخفيض التكاليف و تحسين الإدارة.

- تخفيض العمولات.

- زيادة كفاءة تقديم الخدمات المالية.

- تحسين جودة الخدمة المصرفية.

غير أننا يمكن ان نسجل تأثيرا سلبيا على الكيانات المصرفية الضعيفة، و البنوك الصغيرة التي لا تستطيع المنافسة.

06-      الاندماج المصرفي:

         لا يكف مجتمع البنوك و المصارف في ظل العولمة عن الحركة الفعالة و لا يكف أي بنك عن النمو، و من اجل إكتساب البنك قوة الوجود و الإستمرار فإنه يندمج مع كيان مصرفي آخر و من تم يتحول بالإندماج إلى كيان مصرفي جديد أكثر فعالية و أعلى قدرة ، و أفضل في إنتهاز الفرص المتاحة في السوق  المصرفي ، فإن الإندماج المصرفي تفرضه ضرورة و تقتضيه حاجة  و هو عمل إداري قصدي و عمدي  مبني على حسابات  بالغة الدقة . فقرار الإندماج يصبح مصيري بنياني و هيكلي ذو طبيعة إستراتيجية خاصة،  و هو أداة إكتساب مزيد من القدرة و الفعالية و المرونة و الحركة.

        فلقد أصبح الإندماج أمر طبيعي في عالم المصارف، ذلك العالم المتميز و مستجداته شديدة التعقيد، و الذي يتألف من العديد من الفواعل المختلفة الأنواع و الأشكال و الأحجام، و كل منها له أهدافه، و كل منها له وسائله، و كل منها له إستراتجيته و سياسته في معالجة صراع المصالح و متطلبات الوجود في مناخ المنافسة الشديدة و الإنفتاح الواسع.

       فإن الاندماج المصرفي أصبح يقدم حلولا حاضرة لمشاكل سواء كانت لمتطلبات و ضروريات النمو و التعاون و المشاركة أو إحتياجات الإستمرار و هو مايظهر لنا بوضوح أهمية الإندماج كأدة و كوسيلة للتعايش في عالم العمالقة.

      و الإندماج المصرفي في الفكر الحديث أصبح مبنيا على التحالف و على تعاون المنافسين و هو بذلك أداة تواصل لتكييف مع متطلبات التواجد و الوجود في عصر العولمة و للإندماج المصرفي مزايا أهمها:

- إكتساب قوة الموروث الحضاري للمصرف.

- إكتساب قوة التفاعل و التواصل بين عناصر المزيج الذي تم بعد عملية الإندماج.

- إكتساب قوة التفاؤل الدافعة للإنفتاح.

- الحصول على مزايا إقتصاديات الحجم و السعة المترتبة على أكبر الأعمال و أنشطة المصرف.

- زيادة قدرة المصرف بعد عملية الإندماج على الإتفاق على البحوث و الدراسات.

- زيادة قدرة المصرف على فتح فروع جديدة داخلية و خارجية.

-       تعزيز القدرة التنافسية.

07- خوصصة البنوك:

       تعتبر خوصصة البنوك احد نتائج العولمة، و لقد حدث الإتجاه نحو خوصصة البنوك في الدول النامية و ذلك بعد زوال الملكية العامة للبنوك في ظل تحويل الكثير من هذه الدول إلى تطبيق برامج الإصلاح الإقتصادي و التحول لأليات السوق.

      و تتلخص أهم دوافع خوصصة البنوك في مواجهة التحديات التي تواجه العمل المصرفي في ظل التغيرات المصرفية العالمية و التكييف مع ما جاءت به إتفاقية تحرير الخدمات المالية في إطار إتفاقية الجات و منظمة التجارة العالمية. كما تتحدد أهدافها في:

- تنشيط سوق الأوراق المالية.

- توسيع قاعدة الملكية.

- زيادة المنافسة في السوق المصرفية.

- تحسين الأداء الإقتصادي.

- تحديث الإدارة المصرفية.

- زيادة كفاءة أداء الخدمات المصرفية.

- ترشيد الإتفاق العام.

08- تزايد حدوث الأزمات بالبنوك:

      إن من اهم الآثار السلبية للعولمة المالية هي تلك الأزمات القوية التي يتعرض لها الجهاز المصرفي في عدد من الدول، و بحيث كان لهذه الأزمات تأثيرا شديدا على مجمل إقتصاديات الوطنية.

      و لقد أثبتت إحدى الدراسات عام 1997 التي أجريت في 65 دولة خلال الفترة 1980-1994 أن هناك علاقة وطيدة بين إجراءات العولمة المالية و الجهاز المصرفي.

09- تزايد مخاطر أنشطة تبييض الأموال:

       إن تزايد العولمة المالية المقترفة بالتحرير المالي أدى إلى زيادة تبييض الأموال و لقد أستخدم الجهاز المصرفي كوسيط لعملية تبييض الأموال حيث تمر هذه العمليات بثلاثة مراحل:

-       مرحلة الإيداع النقدي.

-       مرحلة التعتيم.

-       مرحلة التكامل.

و مع العلم أن تبييض الأموال له تأثير سلبيا على الإقتصاد القومي.

      10- ضعف قدرة البنوك المركزية على التحكم في السياسة النقدية:

            إن للعولمة المالية آثار إقتصادية هامة و التي تتمثل في ضعف قدرة البنوك المركزية  على التحكم  في السياسة النقدية  و لقد ظهر ذلك عند ظهور الأزمات المالية  حيث عجزت البنوك المركزية على إنقاذ العملة الوطنية  و سعر الصرف .

الخاتمــــة:

  يحتاج الجهاز المصرفي إلى إستراتيجية لمواجهة عمليات الإنفتاح الإقتصادي و العولمة من خلال تعظيم الآثار الإيجابية المحتملة للعولمة إلى أقصى درجة ممكنة و تقليل الآثار السلبية لها إلى أدنى درجة ممكنة، و العمل على زيادة القدرة التنافسية التي يكون من خلال الآليات و العوامل التالية:

-       التحول إلى البنوك الشاملة ذات الخدمات المتنوعة و المتطورة كخطوة لمواجهة المنافسة المصرفية العالمية.

-       الدخول في التعامل بقوة مع المستحدثات المصرفية الحديثة و التي تتلخص في المشتقات و العقود المستقبلية.

-       تقوية قاعدة رأسمال البنوك.

-       زيادة عمليات الإندماج المصرفي.

-       تقوية شبكات المعلومات المصرفية.

-       تنمية مهارات العاملين بالبنوك.

-       تقوية دور البنك المركزي.

 

المراجــــــع:

 

-         عبد المطلب عبد الحميد ، العولمة و إقتصاديات البنوك ، مصر – الدار الجامعية للنشر – 2001.

-         طارق عبد العال الحماد ، إندماج و خصخصة البنوك ، الإسكندرية – الدار الجامعية للنشر -1999

-         محسن احمد الخضيري ، العولمة الإجتياحية ، القاهرة - مجموعة النيل العربية - 2001

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home